ابو القاسم عبد الكريم القشيري
311
لطائف الإشارات
خلقهم من غير أن شاورهم ، وأثبتهم - على الوصف الذي أراده - دون أن خيّرهم ، ولم يعلموا بماذا سبق حكمهم . . أبا لسعادة خلقهم أم على الشقاوة من العدم أخرجهم من من بطون أمهاتهم ؟ فلا صلاح أنفسهم علموا ، ولا صفة ربّهم عرفوا ثمّ بحكم الإلهام هداهم حتى قبل الصبيّ ثدي أمه وإن لم يكن قد تقدمه تعريف أو تخويف أو تكليف أو تعنيف . « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ » : لتسمعوا خطابه ، « وَالْأَبْصارَ » لتبصروا أفعاله ، « وَالْأَفْئِدَةَ » لتعرفوا حقّه ، ثم لتشكروا عظيم إنعامه عليكم بهذه الحواس . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 79 ] أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 79 ) الطائر إذا حلق في الهواء يبقى كالواقف ولا يسقط ، وقد قامت الدلالة على أن الحقّ - سبحانه - متفرّد بالإيجاد ، ولا يخرج حادث عن قدرته ، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته سبحانه . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 80 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ ( 80 ) للنفوس وطن ، وللقلوب وطن . والناس على قسمين مستوطن ومسافر : فكما أن الناس بنفوسهم مختلفون فكذلك بقلوبهم ؛ فالمريد أو الطالب مسافر بقلبه لأنه يتلوّن ، ويرتقى من درجة إلى درجة ، والعارف مقيم ومستوطن لأنه واصل متمكن والطريق منازل ومراحل ، ولا تقطع تلك المنازل بالنفوس وإنما تقطع بالقلوب ، والمريد سالك والعارف واصل . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 81 ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ( 81 )